عبد الوهاب الشعراني

19

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

واصطفائه لهم قليلا من الناس لغلبة الجهل بطريقهم واستيلاء الغفلة وكراهة غالب الناس أن يكون لأحد شرف بمنزلة أو اختصاص حسدا من عند أنفسهم . وقد نطق الكتاب العزيز بذلك في حق قوم نوح عليه الصلاة والسلام وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ « 1 » وقال تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ « 2 » وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 3 » وقال تعالى : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا « 4 » وغير ذلك من الآيات وكان الشيخ محيي الدين رضي الله عنه يقول ومن أين لعامة الناس أن يعلموا أسرار الحق تعالى في خواص عباده من الأولياء والعلماء وشروق نوره في قلوبهم ، ولذلك لم يجعلهم إلا مستورين عن غالب خلقه لجلالتهم عنده ، ولو كانوا ظاهرين فيما بينهم وآذاهم إنسان لكان قد بارز اللّه تعالى بالمحاربة فأهلكه اللّه فكان سترهم عن الحق رحمة بالخلق ومن ظهر من الأولياء للخلق إنما يظهر لهم من حيث ظاهر علمه ووجود دلالته وأما من حيث سر ولايته فهو باطن لم يزل . وكان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه يقول : لكل ولي ستر أو أستار نظير السبعين حجابا التي وردت في حق الحق تعالى حيث إنه تعالى لم يعرف إلا من ورائها فكذلك الولي ، فمنهم من يكون ستره بالأسباب ، ومنهم من يكون ستره بظهور العزة والسطوة والقهر على حسب ما يتجلى الحق تعالى لقلبه فيقول الناس حاشا أن يكون هذا وليا للّه تعالى وهو في هذه النفس ، وذلك لأن الحق تعالى إذا تجلى على قلب العبد بصفة القهر كان قهارا أو بصفة الانتقام كان منتقما ، أو بصفة الرحمة والشفقة كان مشفقا رحيما وهكذا . ثم لا يصحب ذلك الولي الذي ظهر بمظهر العز والسطوة والانتقام من المريدين إلا من محق الله تعالى نفسه وهواه . لم يزل في كل عصر وأوان أولياء وعلماء تذل لهم ملوك الزمان ويعاملونه بالسمع والطاعة والإذعان ومنهم من يكون ستره بالاشتغال بالعلم الظاهر والخمول

--> ( 1 ) سورة هود : الآية 40 . ( 2 ) سورة الرعد : الآية 1 . ( 3 ) سورة يوسف : الآية 21 . ( 4 ) سورة الفرقان : الآية 44 .